أخر الاخبار

الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فإن التعريف بـ أبي ذر رضي الله عنه سنذكره إن شاء الله تعالى مختصرًا من كتاب "الإصابة في تمييز الصحابة" للحافظ ابن حجر العسقلاني : هو أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري نسبة إلى بني غفار بطن من كنانة، من السابقين إلى الإسلام، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مكة فأسلم، وهو رابع أربعة، أسلم قبله ثلاثة فقط. فلما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. 

فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين أظهرهم. فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فثار إليه جمع من مشركي قريش فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس بن عبد المطلب فأكب عليه وقال: ويلكم ألستم تسمعون أنه من غفار، وأنهم على طريقكم إلى الشام للتجارة، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب عليه العباس وأنقذه منهم، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ومضت بدر وأحد ولم تتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك.
وكان محل عناية واحترام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث يكرمه إذا حضر ويفتقده إذا غاب، وكان على جانب عظيم من الزهد والتقلل من الدنيا، فقد قال:
 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيأته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد نشب فيها بشيء غيري. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، و أحمد في المسند مع انقطاع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر. رواه أبو داود وغيره.
وأخرج
 الحاكم في المستدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يرحم الله أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده. وكانت وفاته سنة 31هـ بالربذة وهي موضع على عدة أميال من المدينة المنورة، وصلى عليه عبد الله بن مسعود. والله أعلم.

 أبو ذر الغفاري ، رضي الله عنه : المشهور أن اسمه : جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن عفان .

قال الذهبي رحمه الله :
" أحد السابقين الأولين ، من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
قيل: كان خامس خمسة في الإسلام.
ثم إنه رد إلى بلاد قومه فأقام بها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، فلما أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إليه أبو ذر رضي الله عنه ولازمه وجاهد معه. وكان يفتي في خلافة أبي بكر عمر وعثمان .
قيل: كان آدمَ [ يعني : أسمر اللون ] ، ضخما ، جسيما ، كث اللحية.
وكان رأسا في الزهد والصدق والعلم والعمل، قوالا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم.
وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر " .
"سير أعلام النبلاء" (3/ 367368) .

وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله :
" كان أبو ذر زاهدا، وكان يقرّع عمال عثمان، ويتلو عليهم: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ، ويراهم يتسعون في المراكب والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم " انتهى "العواصم من القواصم" (ص 73)

وقال ابن كثير رحمه الله :
" هُوَ أَوَّلُ مَنْ حَيَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ وَقَوْمِهِ، فَكَانَ هُنَاكَ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَهَاجَرَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ لَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضَرًا وَسَفَرًا، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً " انتهى من "البداية والنهاية" (10/ 256) .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه، ويعتني بأمره، ويرشده إلى ما يصلحه:
روى مسلم (1826) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ) .

وبلغ رضي الله عنه في الصدق نهايته ، فكان أصدق الناس لسانا :
روى الترمذي (3801) وابن ماجة (156) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، وَلَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ).
وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" .
قال السندي رحمه الله :
" الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ بَلَغَ فِي الصِّدْقِ نِهَايَتَهُ وَالْمَرْتَبَةُ الْأَعْلَى " انتهى من "حاشية السندي على سنن ابن ماجه" (1/ 68) .

وكان رضي الله عنه من أصدق الناس متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
روى البخاري (6050) ومسلم (1661) عَنِ المَعْرُورِ بن سُوَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ على أَبِي ذَرٍّ بُرْدًا، وَعَلَى غُلاَمِهِ بُرْدًا، فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً، وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ، فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلاَمٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: أَسَابَبْتَ فُلاَنًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. قُلْتُ عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ يُكَلِّفُهُ مِنَ العَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ) .

مات رضي الله عنه ، بالربذة سنة اثنتين وثلاثين ، وصلى عليه ابن مسعود ، ثم مات بعده بيسير ، ومناقبه وفضائله كثيرة جدا رضي الله عنه .







حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-